السيد هاشم البحراني

620

البرهان في تفسير القرآن

فيما بينك وبين الله عز وجل في قتل ابنك . قال : كيف اعذر - يا بنية - فإنك مباركة . قالت : أعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم ، فاضرب بالقداح على ابنك وعلى الإبل ، واعط ربك حتى يرضى . فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها ، وعزل منها عشرا ، وضرب بالسهام ، فخرج سهم عبد الله ، فما زال يزيد عشرا عشرا حتى بلغت مائة ، فضرب فخرج السهم على الإبل فكبرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تهامة ، فقال عبد المطلب : لا ، حتى أضرب بالقداح ثلاث مرات ، فضرب ثلاثا ، كل ذلك يخرج السهم على الإبل . فلما كان في الثالثة اجتذبه الزبير ، وأبو طالب ، وإخوانهما « 1 » من تحت رجليه ، فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كان على الأرض ، وأقبلوا يرفعونه ، ويقبلونه ، ويمسحون عنه التراب ، وأمر عبد المطلب أن تنحر الإبل بالحزورة « 2 » ، ولا يمنع أحد منها ، وكانت مائة . وكانت لعبد المطلب خمس من السنن ، أجراها الله عز وجل في الإسلام : حرم نساء الآباء على الأبناء ، وسن الدية في القتل مائة من الإبل ، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط ، ووجد كنزا فأخرج منه الخمس ، وسمى زمزم حين حفرها سقاية الحاج . ولولا أن عبد المطلب كان حجة ، وأن عزمه على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم ( عليه السلام ) على ذبح ابنه إسماعيل ( عليه السلام ) ، لما افتخر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالانتساب إليهما لأجل أنهما الذبيحان ، في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : أنا ابن الذبيحين . والعلة التي من أجلها دفع الله عز وجل الذبح عن إسماعيل هي العلة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله ، وهي كون النبي والأئمة ( صلوات الله عليهم ) في صلبهما ، فبركة النبي ( صلى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) دفع الله الذبح عنهما ، فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم ، ولولا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم ، وكل ما يتقرب به الناس إلى الله عز وجل من أضحية فهو فداء لإسماعيل ( عليه السلام ) إلى يوم القيامة » . ثم قال محمد بن بابويه : اختلفت الروايات في الذبيح : فمنها ما ورد بأنه إسحاق ، ومنها ما ورد أنه إسماعيل ( عليه السلام ) ، ولا سبيل إلى رد الأخبار التي « 3 » صح طرقها ، وكان الذبيح إسماعيل ( عليه السلام ) ، لكن إسحاق ( عليه السلام ) لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي امر أبوه بذبحه ، فكان يصبر لأمر الله تعالى ويسلم له كصبر أخيه وتسليمه ، فينال بذلك درجته في الثواب ، فعلم الله عز وجل ذلك من قلبه فسماه الله عز وجل بين الملائكة ذبيحا لتمنيه لذلك . وقد أخرجت الخبر في ذلك مسندا في كتاب ( النبوة ) . 9017 / [ 9 ] - وعنه ، في كتاب ( الخصال ) : حدثني بذلك - إشارة إلى ما ذكرناه عنه - محمد بن علي البشاري القزويني ( رضي الله عنه ) ، قال : حدثنا المظفر بن أحمد القزويني ، قال : حدثنا محمد بن جعفر الكوفي الأسدي ، عن محمد بن إسماعيل البرمكي ، عن عبد الله بن داهر ، عن أبي قتادة الحراني ، عن وكيع بن الجراح ، عن سليمان بن

--> 9 - الخصال : 58 / 78 . ( 1 ) في المصدر : وإخوانه . ( 2 ) كانت الحمورة سوق مكّة ، فدخلت في المسجد لمّا زيد فيه . « معجم البلدان 2 : 255 » . ( 3 ) في المصدر : متى .